جيرار جهامي ، سميح دغيم

677

الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )

والسياسية هو مجتمع تنقصه الأنسنة إلى حدّ كبير . لماذا ؟ لأن الاختلاف والتنوّع في الرأي والفكر شرط من شروط تحرّر الذهن من التحجّر والانغلاق . وإذا ما فرضت عليهم دينا واحدا أو مذهبا واحدا أو حزبا سياسيّا واحدا ، فهذا يعني أنك تبتر كل ما عداه وتفقر الفكر والسياسة والمجتمع . . . التعدّدية هي أصل الغنى والنقاشات العميقة والمخصبة . بدون تعدّدية لا يمكن أن توجد ديموقراطية . إذا ما فرضنا على جميع الناس جريدة رسمية واحدة فإنهم سيملّون منها وينصرفون عنها ، لأن الرأي الواحد أو الأوحد مملّ وعقيم في نهاية المطاف . ولكن يصعب جدّا الاعتراف بالرأي الآخر ، ولهذا السبب فإن المجتمعات التعدّدية - أي الديموقراطية فعلا - لا تزال قليلة على سطح الأرض . والتوصّل إلى التعدّدية وتشريع الاعتراف بها يعتبر معركة حقيقية . وهي معركة طويلة ومعقّدة كما تدلّنا على ذلك تجربة الشعوب الأوروبية المتقدّمة . ( أركون ، الأنسنة في السياقات الإسلامية ، 16 ، 19 ) . - لكي لا تؤول التعدّدية إلى تشتيت ، ينبغي أن تقوم على رباط المواطنة ، والذي هو القاسم المشترك بين العناصر المتعدّدة والمؤلفة للوفاق العام . وبهذا المعنى تكون التعددية إطارا سياسيّا واجتماعيّا متقدّما بالقياس إلى المفهوم التبسطي الاختزالي ل « الوحدة » . ويتّخذ مطلب التعدّدية السياسية الآن موقع الصدارة . وهو أمر طبيعي . بل إن الحلّ الصحيح لقضية التعدّدية السياسية من شأنه أن يوجد حلولا وفاقية للتعدّديات الأخرى ، خاصّة منها الدينية والثقافية . ففيما يتعلّق بالقضية الثقافية والقضية الدينية يمكن أن نقول إن الحلول التي لجأت إليها الحركات الوطنية المطالبة بالاستقلال ، والحركة القومية العربية ، كانت حلولا ظرفية لم تمنع من عودة طرح القضيتين على نحو يتسم بالحدة والعنف . لقد أرجأت الحركات الوطنية في الشمال الأفريقي طرح القضية الأمازيغية ( البربرية ) ، وساعد على هذا الإرجاء كون الاستعمار قد حاول استغلالها لضرب الوحدة الوطنية ، في حين أن الوحدة الدينية ساعدت على تمتين آصرة النضال الوطني ، واتّخذ الرباط الديني كما يتّخذ في مثل هذه الظروف دور الهوية الجماعية المقاومة . أما الحركة القومية - والتي نشأت في المشرق العربي - فقد راهنت على العلمانية لتجاوز الاختلاف الديني ، أي باستبعاد الدين كمقوّم من مقوّمات الوحدة القومية . ( علي أومليل ، شرعية الاختلاف ، 98 ، 19 ) . - علينا أن نميّز منذ البدء بين التعدّدية الطبيعية للانتماءات التي لا تخلق أي ردود مناقضة لتكوين الولاء السياسي للدولة ، مثلما كان عليه الحال في المجتمع العربي الإسلامي نفسه في التاريخ الكلاسيكي الذي سادت فيه قيم التعايش الإيجابي بين هذه الانتماءات الاجتماعية الثقافية ، والقبول في الوقت نفسه أو التسليم بالسيادة للدولة الإسلامية ، وبين التعدّدية التي تترجم إلى نفي أو مناهضة أو تشكيك بالسيادة القائمة . والأمر لا يتعلّق كما هو واضح بتعدّدية جديدة أو بنشوء